تابع لثورة محمد العالم...
 
  

تــمــهـــيـــد :

منذ نشأة الدولة العلوية بتافيلالت ومحاولات الثورة والتمرد والوصول إلى سدة الحكم مستمرة، فليست الدولة العلوية وحدها من واجهت هذا المشكل، فالدولة السعدية سبقتها في ذلك بسلسلة من التمردات الداخلية، حيث أنه بعد وفاة المولى أحمد المنصور الذهبي تنافس العديد من أبناءه على سدة الحكم دامت أكثر من 60 سنة من 1603إلى 1666م، كانت كفيلة بزوالها وانهيارها.

إن المتمعن في هذه الحركات التمردية  خلال عهد الدولة العلوية يجد غالبية متزعميها تربطهم علاقة قرابة بالسلطان. فالمولى إسماعيل ثار عليه ثلاثة من أقربائه، وهم: أحمد بن محرز ابن أخيه، وأخوه الحران، وابنه المولى محمد. أما المولى اليزيد فقد ثار ضده أخيه هشام بن محمد وقام الثائر عبد الملك ابن إدريس ضد ابن عمه المولى سليمان، وفي عهد المولى محمد الرابع ثار عبد الرحمان بن سليمان العلوي.[1] إلا أن رد فعل السلطة المركزية كان صارما ضد حركات التمرد هذه، إذ أنها لم  تكتفي بإخمادها فقط، بل إن الأمر وصل حد إعدام الثوار وأتباعهم، وهذا ما حدث مع ابن المولى إسماعيل عندما أمر بقطع رجله ويده خلاف ، وتعليق جثت أتباعه على أسوار المدن حتى يكونوا عبرة لغيرهم.[2]

بعد ان شاع خبر وفاة المولى الرشيد ، جاء ابن اخ المولى إسماعيل احمد بن محرز إلى مراكش طالبا بدوره السلطة مدعوما  بمجموعة من مناصريه وتمكن من دخول المدينة . ما إن سمع المولى إسماعيل بالخبر حتى توجه إلى المدينة هو وجيشه "قاصدا ولد اخيه مولاي أحمد ابن محرز" [3] ، التي سيلقى فيها مقاومة شرسة من أهل مراكش الموالين لابن أخيه.رغم ذلك إنتصر المولى إسماعيل عليهم و فر ابن أخيه إلى تارودانت هاربا، لكن المولى إسماعيل لم يتركه وتبعه وحاصره بنفس المدينة مدة من الزمن إلى أن مات بها.

ففي إطار هذا التمرد لاح في الأفق تمرد آخر مسانداً لأحمد ابن محرز هو الحران أخ المولى إسماعيل وذلك سنة 1683. انتهى بانهزام الحران وتحصنه بالقصبة وبقي بها إلى أن عفى عنه السلطان اسماعيل .[4]

ومن الثوار على المولى إسماعيل أيضا، أبو العباس أحمد الدلائي، الذي جمع عليه بعض القبائل الأمازيغية وعبثوا بمن جاورهم من القبائل من تادلا إلى سايس.[5] بعد أن علم المولى اسماعيل بالخبر أمر جيوشه بالتوجه إليه ، فلم تفلح في جيوش السلطان التغلب على احمد الدلائي مرتين إلى أن جاءت جيوش فاس وتمكنت من التغلب على هذا الثائر . الذي فر هاربا إلى إحدى الجبال الوعرة وبقي فيها إلى أن توفي بها.

وفي عام (1118هـ) وقعت قضية الشريف الفقيه العالم العلامة النزيه...أبو عبدالله محمد مع والده السلطان المظفر المؤيد [...] مولانا إسماعيل[6]، حيث لم يستسغ أن أعلم ابنائه فقهيا ودينيا، مكنته من اكتسابه لقب العالم إضافة إلى إتقانه العديد من العلوم " كالنجوم والبيان والمنطق والكلام والأصول"[7]، سيثور عليه.

تبرز مشكلة هذه الثورة في مدى الخطورة التي سببتها على الدولة المغربية آنذاك ، حيث أنها كانت في وضعية تحمل الكثير من التناقضات ؛ الأب في مواجهة تمرد الإبن وكنتيجة لتمرد ابن المولى اسماعيل المولى امحمد قام بتطبيق الحد الشرعي عليه، إذ كان أمام أمر صعب وهو أن يقيم الحد على أعلم أبنائه وأقربهم مكانة منه، فضلا عن تزامنها مع العصيان الذي اتخده العديد من العلماء حول قضية تمليك الحراطين .

ويحق لنا ان نتسائل الى أي مدى  تحمل هذه الثوراث دلالات على وضعية الدولة العلوية في عز قوتها مع المولى إسماعيل؟ وما الدافع وراء تمرد المولى امحمد على أبيه ؟ 

تأتي أهمية البحث من حيث الموضوع الذي يتعين على كل باحث في التاريخ أن يعي خطورة الثورة وتبعاتها ، هذا من الناحية السطحية ، أما من الناحية الجوهرية هي تحليل لمضامين هذه الثورة وإبراز حيثياتها ومدى خطورتها على الوضع القائم آنذاك وهي في الواقع جرد لمعطيات سالفة حاولنا بلورتها بطريقة تاريخية . كما تعبر عن صرامة سلطان ولو على فلذة كبده وأعلمهم علما .

هذا و سنحاول اتباع منهجية متنوعة من ناحية المنهج المتبع في توظيف المعلومات وجرد أحداثها بمختلف مصنفاتها، معتمدين على المنهجين التاريخي الوصفي السردي؛ و على المنهج التاريخي التفسيري التركيبي. 

قسمنا بحثنا إلى تقديم طرحنا من خلاله إشكالية الثورة والتمرد في الدولة المغربية في العصر الحديث، خاصة ثورة أفراد الأسرة الحاكمة . ومدخلا لهذا البحث تطرقنا فيه لمفهومي الثورة، والتمرد في تاريخ المغرب من الناحية اللغوية والإصطلاحية . وخصصنا الفصل الأول لثورة محمد العالم :النشأة ، الدوافع والمراحل والتي عالجناها في محورين اثنتين . تتبعنا من خلال هذا الفصل مراحل الثورة والمسار الذي اتخدته . أما الفصل الثاني فتناولنا فيه وضعية المغرب بعد ثورة محمد العالم وقسمناه إلى محورين ، سنلقي الضوء من خلال هذا الفصل على الجوانب المتعلقة بنتائج وانعكاسات ثورة محمد العالم ، وسنعمل على المقارنة بين ثورة محمد العالم مع ثورة أحمد ابن محرز، وختمنا بحثنا بمجموعة من الخلاصات والإستنتاجات حول الثورة وملابساتها .

حاولنا من خلال  كل هذا طرح مجموعة من التساؤلات حول ثورة محمد العالم:  لماذا تمرد محمد العالم على أبيه وهو يعلم أن هذا مخالف للشرع ؟ هل لقضية الحراطين دور في هذا التمرد ؟ كيف لاقى المولى إسماعيل هذا التمرد من أقرب المقربين إليه ؟ ما هي نتائج هذا التمرد ؟ وهل من أسباب خفية كانت وراء هذا التمرد ؟ كيف يمكن تفسيره ؟ .

[1]- إسماعيل االتراوي ،مجلة هسبريس الإلكترونية ، هؤلاء "الأقارب العقارب" الذين ثاروا على السلاطين العلويين، السبت 12 يوليوز 2014- 00:34 

- [2] إسماعيل التراوي،مجلة هسبريس الإلكترونية، نفسه. 

3 - أحمد الضعبف الرباطي ، تاريخ الضعيف (تاريخ الدولة السعيدة) ، تعليق وتحقيق وتقديم الأستاذ أحمد العماري ،دار المأثورات الرباط ، الطبعة الأولى 1986، ص59

[4]- محمد بن محمد بن مصطفى المشرفي ،الحلل البهية في ملوك الدولة العلوية وعد بعض مفاخرها غير المتناهية.دراسة وتحقيق إدريس بوهليلة.منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ،الطبعة الأولى 2005، الجزء1 282 بتصرف 

- [5]. محمد بن محمد بن مصطفى المشرفي ، نفس المصدر السابق ،ج1 ص284

[6] - محمد الضعيف الرباطي ،نفس المصدر السابق، ص 80

4 - محمد بن الطيب القادري ، نشر المتاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني الجزء 3 ، تحقيق محمد حجي و أحمد التوفيق ، منشورات الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر ،مكتبة الطالب طبعة 1986 ، الصفحة 166