ثورة محمد العالم مابين سنة 1114 هـ/1702م - و1118ه/1706م
 
  

  

مدخل:

إن المتأمل في معظم المفاهيم والمصطلحات التاريخية ذات الدلالات العميقة، يجدها تحمل رمزية وإيحاءات أكبر من ناحية مدلولها، ومدى التأثير الذي يحمله أي مفهوم .

فإشكالية المفاهيم التاريخية تمتل الحلقة الأبرز في معظم البحوث أو الأطروحات ...، حيث لا يمكنك أن تبني بحثا ما دون استعانتك بالمفاهيم التي تحمل في طياتها الكثير من الدلالات الداعية إلى دراستها وما تحمله من معنى . لذلك فالحديث عن حقل المفاهيم يعطي الكتابة التاريخية "قيمة رمزية، تجعلها قابلة للتأويل حسب أصلها واستعمالاتها ، مما يفسح المجال بشكل كبير أمام إسقاط معان متعددة على المفهوم الواحد"[1]. إلا أن كل مفهوم أو مصطلح يحمل في طياته دلالات يختلف كل مفهوم عن الآخر.

نصادف كثيرا كلمة الثورة بل نتداولها مطمئنين –فيما يشبه الإتفاق –على تلك المعاني التي تتبادر إلى الذهن عند استخدامها ، وقد لا تختلف تصوراتنا لمفهوم الثورة كثيرا ، ولكن مع ذلك وجب الوقوف عند هذا المفهوم لمعرفة دلالته الصحيحة والتمييز بين الثورة ومفاهيم أخرى قد تشاطرها حدودها الدلالية ، ومن شأن هذا التدقيق مساعدتنا على تحديد الإطار العام لكل مفهوم متداخل مع الثورة من حيث النوعية . 

فمثلا مفهومي الثورة والتمرد يتجهان في نفس الإيقاع ألا وهو التعبير عن الرفض ، إلا أن هذان المفهومان يختلفان عن بعضهم البعض في العديد من النقاط. إذا فما هي ارتسامات مدلولي الثورة والتمرد ؟وكيف يمكن ان نعبر عنهم في التاريخ المغربي ؟ .

إن حصر مفهوم الثورة في تعريف محدد يعتبر شيئا صعبا، نظرا لاختلاف أنواعها والأيديولوجيات المعبرة عنها والاختصاصات. فالبادر للذهن اول ما يدكر هذا المفهوم هو تغير وضع سياسي او اقتصادي ، اجتماعي فكري... في دولة ما. فهناك من يعرفها "بتغيرات فجائية وجدرية تتم في الظروف الاجتماعية والسياسية ،أي عندما يتم تغيير حكم قائد وتغيير النظام الإجتماعي والقانوني المصاحب له بصورة فجائية، وأحيانا بصورة عنيفة"[2] .وعرفها البروفيسور هاري إيك شتاين في مقدمته عن الحرب الداخلية بأنها " محاولات التغيير أو التهديد باستخدامه ضد سياسات في الحكم أو ضد حكام أو منظمة ". وأما بيتر أمان يرى أنها انكسار مؤقت أو طويل الأمد لاحتكار السلط يكون مصحوبا لانخفاض الطاعة"[3] . هذا وقد عبر عن أسباب قيامها الفيلسوف اليوناني أرسطو "إلى عنصر أساسي وهو عدم الرضاء والرغبة في المساواة الكلية أو الجزئية، وقد اعتبر العلة العامة التي تهيء النفوس للثورة [4] . واما من الناحية السيكولوجية فقد عبر عنها جوستاف لوبون على أنها " مجموعة من التحولات الفجائية في المعتقدات والأفكار والمذاهب "[5]

وكثيرا ما تتردد كلمة بالغة الشهرة والأهمية وهي "كلا يا مولاي " فنحن هنا لسنا امام تمرد بل أمام ثورة . " [6] وهو ما ينطبق على تاريخ المغرب فكثيرا ما نجد ثائرين على سلاطين المغرب أكثريتهم كانوا من الأسر الحاكمة كان نصيب الدولة العلوية الحظ الأوفر منها .

إذن كما سبق وذكرنا إن حصر الثورة ضمن مفهوم واحد لا يعدو تعريف دقيق لما يشمله هذا المصطلح من معاني متفرعة . فهي تختلف من أيديولوجية لأخرى ولعل ما يمكننا أن نخرج به كتعريف عام للثورة ، هي تغيير في البنى الإقتصادية والإجتماعية لدولة ما، أو مجتمع ما من حالة تميزت بالركود أو الظلم و الإستبداد في حق مواطني البلد لمدة من الزمن . و"الحقيقة ان الثورة ليست سوى التتمة المنطقية التمرد الماورائي" [7]

وكثيرة هي النماذج تبقى الأبرز الثورة الفرنسية سنة 1789، إذ هي ثورة نشأت عن عدم رضى شعب لوضعيتهم المزرية وحالتهم البائسة جعلتهم يثرن في وجه ملكهم .أما هذا المفهوم في الذاكرة المغربية نجده تكرر عدة مرات ، وحتى لا نذهب بعيدا عن الدولة العلوية نذكر ثورة المولى الرشيد المسلحة ضد أخيه سنة 1074هـ/1663م والتي كانت كفيلة بتوحيد البلاد و ازدادت توسعا وحققت استقرارا للبلاد من الناحية الأمنية .

أما مفهوم التمرد لا يختلف كثيرا عن مفهوم الثورة ، على اعتبار أنه شكل من أشكال الرفض وعدم طاعة الولي أو الراعي او الحاكم . فهو إحساس بالإحباط والسخط والتشاؤم والرفض لكل من يحيط في المجتمع ، سواء كانوا أفرادا او جماعات وما يرتبط بذلك من رغبة جامحة في تدمير أو إتلاف كل ما هو قائم في الوضع الراهن . 

والتمرد في معناه الإسلامي :هو عبارة عن الخروج عن السلطة والقيم والقوانين العقائد والأعراف السلمية ، أو هو الخروج على ما ينبغي الإلتزام به .

فليس التمرد مجرد الرفض، وعدم الإنصياع لما ألفه الناس. فهناك من المألوفات أوالقوانين والعقائد، والقوى الغير الصحيحة التي وجب رفضها والتمرد عليها. إن التمرد يخص إنسانا عارفا ومطلعا، ليس جاهلا إنسان مدركا لحقوقه، وعليه فلا يمكن للإنسان ان يظهر في مجتمعات بدائية. وقد عزل ألبير كامو مفهوم التمرد عن الثورة ، معتبرا الثورة تنبت من فكرة ، بينما التمرد هو حركة تبدأ من تجربة ذاتية وتوصل إلى الفكرة .

وعليه فمسألة تمرد المولى امحمد لم تكن من شخص لا يفقه شيئا بل كان رجل ذو علم و ذو مكانة مرموقة لدى أبيه المولى إسماعيل، فالراجح في أنه كان غير موافق على الطريقة التي دبرها أبيه في تكوين جيشه عن طريق تمليك عبيد الحراطين، حتى أعلن تمرده فعليا في تارودانت سنة 1702. 

إذا فإشكالية التمرد والثورة ما هما إلا شكلان تعبيريان عن الرفض وعدم الانصياع لأوامر السلطان، ولهذا" السبب يقتل التمرد أناساً ، أما الثورة فتهلك أناساً وتهدم مبادئ في نفس الوقت "[8].

    

1- محمد جادور ، مؤسسة المخزن في تاريخ المغرب، سلسلة أبحاث، مؤسسة الملك آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم  الإنسانية ،منشورات عكاظ 2011، الصفحة 35


[2] - عبد الوهاب الكيالي ، الموسوعة السياسية . بيروت : المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، الجزء الأول .1979، ص 870


[3] - شعبان الطاهر الأسود، علم الاجتماع السياسي قضايا العنف السياسي والثورة ، القاهرة : الدار المصرية اللبنانية .2003،ص 50


- [4] مولود زايد الطيب ، علم الاجتماع السياسي. منشورات جامعة السابع من أبريل ،دار الكتب الوطنية ليبيا .الطبعة الأولى 2007، ص100


[5] - عبد الوهاب الكيالي ، نفسه ،ص 870


[6]- البير كامي ، الإنسان المتمرد، ترجمة نهاد رضا ، منشورات عويدات ، بيروت-باريس،الطبعة الثالتة 1983الصفحة 136


- [7]ألبير كامي ، نفسه ، الصفحة 135


1- ألبير كامي ، نفسه ، الصفحة 135


يتبع

   rw�